ابن قيم الجوزية
209
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وتأمل حديث البطاقة التي توضع في كفة ، ويقابلها تسعة وتسعون سجلا ، كل سجل منها مدّ البصر ، فتثقل البطاقة وتطيش السجلات ، فلا يعذب . ومعلوم أن كل موحد له مثل هذه البطاقة . وكثير منهم يدخل النار بذنوبه . ولكن السر الذي ثقّل بطاقة ذلك الرجل ، وطاشت لأجله السجلات : لما لم يحصل لغيره من أرباب البطاقات ، انفردت بطاقته بالثقل والرزانة . وإذا أردت زيادة الإيضاح لهذا المعنى . فانظر إلى ذكر من قلبه ملآن بمحبتك ، وذكر من هو معرض عنك غافل ساه ، مشغول بغيرك ، قد انجذبت دواعي قلبه إلى محبة غيرك ، وإيثاره عليك . هل يكون ذكرهما واحدا ؟ أم هل يكون ولداك اللذان هما بهذه المثابة ، أو عبداك ، أو زوجتاك ، عندك سواء ؟ . وتأمل ما قام بقلب قاتل المائة من حقائق الإيمان التي لم تشغله عند السياق عن السير إلى القرية ، وحملته - وهو في تلك الحال - على أن جعل ينوء بصدره ، ويعالج سكرات الموت . فهذا أمر آخر ، وإيمان آخر ، ولا جرم أن ألحق بالقرية الصالحة . وجعل من أهلها . وقريب من هذا : ما قام بقلب البغيّ التي رأت ذلك الكلب - وقد اشتد به العطش يأكل الثرى - فقام بقلبها ذلك الوقت - مع عدم الآلة ، وعدم المعين وعدم من ترائيه بعملها - ما حملها على أن غررت بنفسها في نزول البئر ، وملء الماء في خفها ، ولم تعبأ بتعرضها للتلف . وحملها خفها بفيها ، وهو ملآن ، حتى أمكنها الرّقيّ من البئر ، ثم تواضعها لهذا المخلوق الذي جرت عادة الناس بضربه ، فأمسكت له الخف بيدها حتى شرب ، من غير أن ترجو منه جزاء ولا شكورا . فأحرقت أنوار هذا القدر من التوحيد ما تقدم منها من البغاء ، فغفر لها . فهكذا الأعمال والعمال عند اللّه . والغافل في غفلة من هذا الإكسير الكيماوي ، الذي إذا وضع منه مثقال ذرة على قناطير من نحاس الأعمال قلبها ذهبا . واللّه المستعان . المحبة والتسامح فإن قيل : قد ذكرتم : أن المحب يسامح بما لا يسامح به غيره . ويعفى للولي عما لا يعفى لسواه . وكذلك العالم أيضا ، يغفر له ما لا يغفر للجاهل . كما روى الطبراني بإسناد جيد - مرفوعا إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم - « إن اللّه - سبحانه - إذا جمع الناس يوم القيامة في صعيد واحد ، قال للعلماء : إني كنت أعبد بفتواكم . وقد علمت أنكم كنتم تخلطون كما يخلط الناس ، وإني لم أضع علمي فيكم وأنا أريد أن أعذبكم . اذهبوا فقد غفرت لكم » هذا معنى الحديث . وقد روي مسندا ومرسلا . فهذا الذي ذكرتم صحيح . وهو مقتضى الحكمة والجود والإحسان ، ولكن ماذا تصنعون بالعقوبة المضاعفة التي ورد التهديد بها في حق أولئك إن وقع منهم ما يكره ؟ كقوله تعالى : يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ [ الأحزاب : 30 ] وقوله تعالى : وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا ( 74 ) إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً ( 75 ) [ الإسراء : 74 ، 75 ] أي لولا تثبيتنا لك لقد كدت تركن إليهم بعض الشيء . ولو فعلت لأذقناك ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات . أي ضاعفنا لك